السيد حيدر الآملي

372

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ [ سورة الشعراء : 5 ] . وقوله : وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً [ سورة النور : 21 ] . يشهد بأن الكل من فضله ورحمته وعنايته بعبيده والكلّ صحيح وليس فيه اختلاف ، ويعرف هذا السرّ من قوله : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [ سورة الأنفال : 17 ] . لأنّه نفي من غير الإثبات وإثبات من غير نفي وإدراكه صعب . ( تصور الاختلاف في القرآن يرجع إلى عدم فهم المتصرّف فيه ) وبالجملة إضافة الهداية إلى نفسه تارة وإلى العبد تارة وإلى القرآن تارة ليس بمتناقض ولا بمختلف عند التّحقيق وسيّما ورد في كتابه : وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [ سورة النساء : 82 ] . والمراد أنه ليس فيه اختلاف في نفس الأمر وإن كان فيه اختلاف بحسب اللّفظ والتّركيب ، وبيان ذلك وهو أنّ تصوّر الاختلاف في القرآن يرجع إلى عدم فهم المتصرّف فيه والمفسّر وإلّا لو كان التصوّر صحيحا يعرف أن اللّه تعالى ما نفى الاختلاف من القرآن مطلقا بل نفى الاختلاف منه في نفس الأمر بالنّسبة إلى الأصول الجمليّة والقوانين الكلّية المقرّرة بين الأنبياء والأولياء ( ع ) الّتي لا يمكن الاختلاف فيها أصلا ، ومعلوم أن الأنبياء والأولياء قطّ ما وقع خلاف بينهم في أصول الدين وأركان الشّرع ، لقوله : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [ سورة الشورى : 13 ] . وكقوله : لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [ سورة البقرة : 285 ] . ويكون حينئذ تقديره أنّه ليس فيه اختلاف في نفس الأمر ، وأصول الدين والشرع ، وإن كان فيه اختلاف في اللّفظ والتّركيب والأحكام الشّرعيّة من حيث